فيلم "أغنية باستر سكراغز".. فلسفة الحياة وعبثية الموت 🎬

AAAABfLF7DrlbWDP-pw0o1RrPe5ovKMlCQ-zlWreC0itTFO_kuMLHVZS73npTKqDhdjf9lMRO5VoHeWvclty6sydsKRyLH34
نتفليكس
  • أحمد مصطفى
  • الأحد، 30-05-2021
  • 06:06 ص
لا يعيش كل من يعيش على هذه الأرض لهدف نبيل، ولا يموت كل من يموت فيها في سبيل أمر عظيم، فقد يكون الموت عبثي أحيانا.

قد تموت شابا في مقتبل العمر، وقد يتأخر عبورك نحو الطرف الآخر زمنا طويلا، ربما تمتلئ جيوبك بالمال في بداية الطريق، وقد يأتيك الفرج عجوزا، لا شيء حتمي ومضمون في هذه الحياة سوى "الموت".

يريد الأخوين كوين في ملحمتهما إقناعك أن الموت "عبثي" وأننا نعيش في عالم كوميدي مظلم، فإن لم يقنعك فيلم واحد، فقد صنعوا لك ستة.

"ملحمة أو أغنية باستر سكراغز"، "The Ballad of Buster Scruggs" من كتابة وإنتاج وإخراج الأخوين جويل وإيثان كوين، ست قصص كتبت على مدى 25 عاما عن قسوة الغرب الأمريكي عرضت على شكل ست لوحات عن الموت بالمقام الأول، وقساوة الحياة، وغياب العدالة، وجشع الإنسان، والمعايير الأخلاقية، والكثير من الأوغاد.

وإن كانت المقاطع الستة لا تمت لبعضها البعض بصلة إلا أن القاسم المشترك فيها جميعا هو "عبثية الموت".

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان البندقية السينمائي الدولي، اشترته نتفليكس لاحقا، وترشح لعدد من جوائز الأوسكار.

أخذ الفيلم أسمه من أغنية الجزء الأول منه والتي حازت ترشيح أوسكار لأفضل أغنية أصلية. 
                            تنبيه: تتضمن المادة حرقا لأحداث الفيلم

اللوحة الأولى "باستر سكراغز"
راعي أبقار صاحب صوت جميل، ومهارة أجمل في اقتناص منافسيه، لا يوقفه شيء عن الغناء حتى لحظاته الأخيرة.



خارج عن قانون الدولة، لكنه يحترم قانون "الحانة"، لا يحب اللئام، ويحلم بعالم "لا أوغاد فيه" ويدفع ثمن ذلك رصاصات من جيبه الخاص، لا يرفض التحدي أبدا، تغتاله ثقته العالية بنفسه لكنها لا توقفه عن الغناء.

لا يكره أخاه الإنسان كما تقول عنه "الحكومة"، ويحترم الأخطاء "البشرية"، يحب أن يقامر على حسابه الخاص، ويرفض أن يتسلى بـ"أوراق الآخرين".

في حال لم تنتبه "كانت أوراق البوكر التي رفض أن يلعب بها باستر أوراقا جيدة وربما رابحة في عرف البوكر لكنه مع ذلك رفض اللعب بها رغما عنه"

يرفض أن ينخدع الآخرون بمظهره الأنيق وبشرته البيضاء فهو "خارج عن القانون" وإن كان حسن الهندام.

استبدل همازتي حصانه وغيتاره الجميل، بجناحين صغيرين، وقيثارة سماوية، ليفسح المجال على الأرض لرجل أفضل منه.

اللوحة الثانية "قرب ألغودينيس"
راعي أبقار شاب يحلم بالثراء السريع، يجد حبل المشنقة أمامه أينما اتجه، يتوجه إلى بنك يظنه صيدا سهلا في عرض الصحراء، لا تكاد تجد حوله شيئا، حتى الماء في البئر هناك "غير صالح للشرب".



يتقدم الشاب إلى البنك ليواجه الموظف الذي تنقصه اللياقة، لكن لا تنقصه الشجاعة للدفاع عن نقود زبائنه.

ينتقل المشهد سريعا من موقع الجريمة إلى موقع العقاب، دون المرور بقاعات المحاكم، يصحو الشاب على حبل المشنقة، وأمامه رجال يسألونه أن يقسم ميراثه عليهم قبل أن يموت ليكيفهم عناء القتال عليه لاحقا.

ينقذه حظه الجيد هذه المرة من جريمة ارتكبها، لكن الحظ يخذله في أول مدينة يصلها حيث يدان بجريمة لم يرتكبها ويحاكم في ثوان معدودة بشاهد واحد وقاض نالت منه حرارة الجو، ولم ينج هذه المرة من جريمة لم يرتكبها.

في حال لم تنتبه "تعبر جملة (هل هي المرة الأولى؟) التي أطلقها الشاب على حبل المشنقة من أكثر الجمل المستخدمة في السخرية على مواقع التواصل"

هل العدالة مطلقة؟ فهو إن لم يرتكب الجريمة التي أعدم بها، إلا أنه ربما لقي مصيره العادل في نهاية الأمر.

يهلل الجميع لـ"العدالة" ويصفقون وينتهي المشهد مع انتهاء أنفاس الشاب تحت غطاء الرأس الأسود.

اللوحة الثالثة "تذكرة طعام"
لوحة أخرى مليئة بالبرد والثلوج بطلها عجوز يقود عربة حصان تتحول ليلا إلى مسرح صغير يكفي لفنان واحد "غير كامل" لكنه يملك صوتا فريدا، وشعورا غامرا.



يتلو على مسامع سكان البلدات الباردة مقاطع من مسرحيات كلاسيكية، وبعض آيات الكتاب المقدس، وبعضا من أشعار شكسبير، وخطابا لأبراهام لينكولين.

"أسمي أوزامانديوس، ملك الملوك، انظر إلى أعمالي أيها الرب وابتئس (...) قال الرب لقابيل، أين أخوك هابيل؟ (...) في جلسات الفكر الجميل أستدعي ذكريات الأشياء الجميلة التي انقضت (..) وأزعج السماء الصمّاء بنواحي الذي لا يجدي (...) حكومة الشعب من الشعب، وللشعب لن تزول عن الأرض".

يتعالى التصفيق للفن الجميل.

بعد الأداء الكبير من مقعد بلا أيد ولا أرجل، يكون أجره وجبة طعام، تكفيه حتى العرض المقبل، لكن زبائن النصوص الرائعة، والكلمات الرنانة يبدأون بالاضمحلال بلدة بعد بلدة.

في النهاية لم يصفق أحد.

في حال لم تنتبه "لم يدر بين صاحب العربة والفنان الذي معه أي حوار طوال الفيلم"

أيقن صاحب المسرح، أن الفنان أصبح رهانا خاسرا، ووجد في إحدى البلدات مصدر دخل أفضل، دجاجة "ذكية" تستطيع أن تجمع وتطرح، تدر دخلا أكبر وتأكل طعاما أقل، عقد صفقة تجارية مع صاحب الدجاجة، وصفقة من طرف واحد مع الفنان القعيد أراحه بموجبها من مأساته (...) استبدل الدجاجة بالفنان.

اللوحة الرابعة "ذهب الوادي"
عجوز حالم بالثراء يقرر أن يزعج الطبيعة يتقدم إلى الوادي الذي لم يطأه إنسان بعد ولم يترك أحد فيه أثرا، تقوده خبرته الطويلة التي تظهر في تجاعيد وجهه إلى مرج على ضفة أحد الأنهار متسلحا بحمار ومجراف وقدر يمكنها استخراج ما هو أثمن منها جميعا.



يكاد الجشع يقود العجوز إلى حتفه، لكنه نجا فـ"لكل مجتهد نصيب".

يرفض شذرات الذهب البسيطة ويصر على الوصول إلى مصدرها، مشهد هادئ إلا من حوار الرجل مع تجويف الوادي المليء بالذهب: "أين أنت إلى اليمين أم إلى اليسار؟، سأنال منك (...) ربما أنا كبير في العمر، لكنك أكبر مني! سأنال منك".

في حال لم تنتبه: "قال العجوز عندما سرق بيضة من عش البومة (حسنا إلى أي رقم يمكن للطائر أن يعد؟) في إشارة ساخرة ربما إلى الدجاجة في الفيلم السابق"

وعندما يصل إلى مبتغاه، يغتاله شاب لم يكلف نفسه سوى مراقبة العجوز فعاجله بطلقة في ظهره، لم تقتل العجوز العنيد لكنها أودت بصاحبها إلى القبر.

لم يزعج العجوز جرحه الغائر بقدر ما أزعجه أن "الوغد" أطلق عليه النار غدرا من الخلف!.

اللوحة الخامسة "الفتاة التي قضت"
الجشع أيضا، مع فتاة قليلة الحظ، إذ يحاول رجل أعمال غير كفء السفر إلى ولاية أوريغون في قافلة لا تخلو من المخاطر، ليقدم اخته قربانا على شكل زوجة لشريك تجاري جديد ربما ينقذه من الإفلاس.



على الطريق تقتل الكوليرا رجل الأعمال وتسير شقيقته مع القافلة إلى المجهول، فلا أحد تعود إليه من حيث أتت، ولا أحد ينتظرها إلى حيث هي ذاهبة، مرأة وحيدة عالقة في منتصف الرحلة، ينال الجشع أيضا من سائس عربتها فيدعي أنه عقد مع أخيها عقدا بقيمة 400 دولار مقابل قيادة العربة، والوحيد الذي يستطيع نفي الصفقة هو الرجل الميت.

لكن الفتاة لا تملك المال، ربما دفنته مع جثة أخيها في قبر لا شاهد له ولا علامة في الصحراء، لم ترث منه سوى الكلب "الرئيس بيرس".

يعرض قائد القافلة بيلي ناب على الفتاة تسديد دينها لسائس العربة مقابل أن يتزوجها، ويستقر معها بدلا من حياة السفر بين المدن لحراسة القوافل.

توافق الفتاة التي لا تملك خيارا، لكنها ليست مرغمة لقد أعجبها عرض السيد ناب بتسديد دينها، ووعدها بـ640 فدانا تمنحها الحكومة في أوريغون لم يستقر هناك ليزرعها، لقد حصلت على صفقة جيدة قبل انتهاء الرحلة.

في حال لم تنتبه "اسم الكلب في الفيلم (الرئيس بيرس) على اسم الرئيس الأمريكي الرابع عشر الذي مات أولاده الثلاثة صغارا وكانت حياته عبارة عن مأساة"

بعيدا عن القافلة وراء التلال، تهاجم مجموعة من السكان الأصليين آرثر، شريك السيد ناب في قيادة القافلة خلال محاولته حماية العروس الجديدة "أليس" بعد أن أعطاها سلاحا تقتل به نفسها إذا أيقنت أن المعركة خاسرة، بدلا من أن تذهب أسيرة.

خلال معركته يصاب السيد آرثر فتظن أليس أنه قد مات وتنفيذا لرغبته تطلق النار على نفسها، قبل أن تعرف أنه ما يزال حيا وكسب المعركة.

يعود آرثر إلى القافلة دون أي كلمات يقولها لشريكه ناب الذي يبدو أن خططه للاستقرار والزراعة بدلا من قيادة القوافل على وشك أن تتغير مرة أخرى.

اللوحة السادسة "الجثة"
عربة سفر ضيقة تجمع خمسة مسافرين من جنسيات مختلفة، صائد حيوانات يبيع الفراء يرى أن الإنسان والحيوان لا يختلفان وكل البشر نوع واحد ودليله على ذلك أنه عاش مع امرأة من الهنود الأصليين في الجبال دون يعرف لغتها ردحا من الزمن.



ترفض السيدة بيتجمان وتصر على أن هنالك نوعين من البشر، المستقيمون والخاطئون، أما مسافر آخر فرأى أن النوعين هما الأقوياء والضعفاء، آخر قال بل المحظوظون وغير المحظوظين.

يتحدث الصياد بمنطق الغريزة، وتتحدث المرأة بمنطق الدين والكتاب المقدس، وتتهم الصياد بفقدان التربية الروحية، فيجيب: "كنت مشغولا بنصب الفخاخ".

راكب آخر بلكنة فرنسية يرى أن كل شيء في الدنيا نسبي وله أكثر من منظور وتفسير لكنه يرى أن لكل أحد الحق في أن يعيش وفقا لمعاييره الخاصة، أما الراكبان الآخران فصيادا جوائز يرسلون البشر إلى حياتهم الآخرة مقابل المال، ويرون أن أنواع البشر على هذه الدنيا، أحياء أو أموات.

في حال لم تنتبه: "لم يُنزل أحد من الركاب أي متاع عندما وصلت العربة إلى وجهتها الأخيرة، وغادرت بكل الحقائب على ظهرها ما يشي بأن كل من عليها لم يكونوا أحياء بالأصل بل كانوا يعبرون من الدنيا إلى الآخرة".


ينشب شجار في العربة فيصيح الفرنسي للسائس كي يتوقف، فيرد حاصد الأرواح بأنه لن يتوقف سواء سمع أم لم يسمع، لا تتوقف العربة حتى تصل إلى وجهتها.

على باب العبور يتلكأ الكل في النزول من العربة ثم في الدخول، يقدم كل منهم الآخر، فهناك سيتم محاكمة كل آرائهم السابقة، وسيظهر من كان منهم مصيبا في نظرته للحياة، وتلكؤهم جميعا يعني أن لا أحد منهم كان واثقا تماما مما يقول.
شارك
التعليقات