المكاتب المفتوحة.. تشجع على العمل أم تخترق الخصوصية؟ 🧐

render-g32b5b3946_1280
CC0
  • قدامة خالد
  • الأحد، 26-12-2021
  • 09:03 ص
لو سألنا أي موظف كيف تحب أن يكون مكتبك؟، لأجاب سريعا أريده واسعا ويطل على منظر جميل وبه وسائل الراحة ومقعد ومكتب جيدين وآلة قهوة حديثة، أما صاحب العمل أو المدير فيريد في المقابل مكاتب تجعل من السهل عليه مراقبة الموظفين وأدائهم.

وقد لا ينال الموظف ما يرغب به، مع انتشار نظام المكاتب المفتوحة، بحيث تكون موزعة على مساحة كبيرة وبدون حواجز بينها، وهذا النظام الجديد أثار الكثير من التساؤلات حوله، حول إذا ما كان بيئة جيدة تشجع على العمل وتمضية الوقت مع الزملاء، أم انتهاك لخصوصية الموظف ووسيلة لمراقبته بطريقة مزعجة.

اظهار أخبار متعلقة



ووفقا لموقع "فلوك" المختص بتطوير وسائل التواصل في بيئة العمل، لا يمكن النظر للمكاتب المفتوحة من وجهة نظر واحدة، فهي كأي بيئة عمل أخرى، لها سلبيات وإيجابيات بدرجات تختلف بحسب طبيعة وشخصية الموظف، وكذلك تختلف بحسب نوع العمل، لذلك يمكن اعتبارها بيئة محفزة للتعاون بين الزملاء بالنسبة للبعض، وبيئة تنهتك الخصوصية بالنسبة للبعض الأخر.

سلاح ذو حدين

ويرى اختصاصي التطوير الوظيفي، عبد الله حارس، بأن "المكاتب المفتوحة سلاح ذو حدين، فهي تساعد في حالات وتأتي بنتائج عكسية في حالات أخرى"، مضيفا: "هناك من لا يستطيع العمل في بيئة حيوية ويفضل الهدوء".

وتابع حارس في حديث لـ"عربي21 لايت": "هناك أشخاص لا يستطيعون التركيز إذا تمت مقاطعتهم، وهنا تتسبب المكاتب المفتوحة بالمتاعب، أضف إلى ذلك مسألة الخصوصية في بيئة العمل التي تتأثر في حال لم يكن هناك حواجز بين المكاتب".

وأوضح بأنه "لهذه الأسباب يُنصح في بعض الأعمال عدم اعتماد فكرة المكاتب المفتوحة، أو اعتمادها بمحاذير واضحة تأخذ النقاط المذكورة بعين الاعتبار".

اظهار أخبار متعلقة



واستدرك: "لا نغفل أن المكاتب المفتوحة تساعد في بعض المهام التي لا تتم إلا عن طريق فريق عمل متعاون ومتواصل بشكل مباشر مثل غرف الأخبار على سبيل المثال، كذلك تعد البيئات الحيوية محفزاً لإنتاجية الفرد أحيانا، وأفضل بيئات العمل هي تلك التي توفر هذين الخيارين".

وخلص بالقول: "بالنهاية حجم الفريق وطبيعة الأشخاص تلعبان دورا كبيرا في تحديد ما إذا كانت المكاتب المفتوحة جيدة أم لا، بمعنى إذا كان العمل يتطلب عمل وجهد جماعي تكون المكاتب المفتوحة إيجابية، وإذا كان يتطلب جهدا فرديا وإبداعيا تكون سلبية، ولكن مع ذلك لا يمكن اعتبار هذا الأمر أيضا قاعدة تنطبق على كل بيئات العمل".

توطيد للعلاقات

بالمقابل تعتبر مدربة التنمية البشرية مايا محاميد، "بيئة العمل في المكاتب المفتوحة من أبزر وسائل توطيد العلاقات بين الزملاء، إذ تضفي أجواء تتسم بالتعاون وتمرير ساعات العمل بكل مرونة، وتتيح لهم أن يؤدوا واجباتهم بجد ممزوج بمرح".

وتابعت محاميد في حديث لـ"عربي21 لايت": "لكن من ناحية اخرى أجد انها تحد من حرية الموظف فيشعر أنه مقيد بتصرفاته، ولا بد لهذه التصرفات ان تتناغم مع الأشخاص والمكان، أي ينبغي له دوما مراقبة تصرفاته، ولها من العيوب أن الكثير يعتبر هذه البيئة المفتوحة مكان يملئه الضوضاء والفوضى، في الوقت الذي أراه من وجهة نظري مكان يعج بالحياة والعمل، ولا يقلقني سوى تسريب أسرار العمل وشؤونه، لذا يجب أن نحرص على تصميم هذه المكاتب بطريقة تضمن الحفاظ على هذه الخصوصية".

اظهار أخبار متعلقة



وحول إذا ما كانت سلبياتها أم إيجابياتها أكثر، قالت محاميد: "إذا سيطرنا على طريقة توزيع المكاتب تكون إيجابية أكثر، وبالنهاية الأمر يعود كذلك لنفسية الموظف، فالبعض قد يرفضها لأنه يشعر أنه مرصود ومراقب، والأخر يراها جيدة لأنها تشجعه على العمل والتعاون مع زملائه".

لا تنتهك الخصوصية

وتُعد الحالة النفسية للموظف أحد أهم أسباب زيادة إنتاجيته أو تقلصها، فإذا كان مرتاح نفسيا في عمله بالتأكيد سوف يكون أنشط وأكثر إنتاجا مما لو كان غير مرتاح نفسيا.

ووفقا لتقرير نشره موقع "ذا كونفرسيشن" الأسترالي، بالتعاون مع، جامعة بوند الأسترالية، كان 70% من الموظفين العاملين في المكاتب قبل انتشار كورونا يعملون في مكاتب مفتوحة، مشيرا إلى أنهم اشتكوا من هذا التصميم.

ومع ذلك، هناك القليل من الأبحاث التجريبية التي تبحث في تأثيرات ضوضاء المكاتب على أشياء مثل الأداء المعرفي، والضغط الفسيولوجي والمزاج.

ونقل التقرير الذي ترجمته "عربي21 لايت" عن إليزابيث ساندر، الأستاذ المساعد في السلوك التنظيمي في كلية الأعمال بجامعة بوند الأسترالية، قولها: "تظهر نتائج دراستنا، في ظروف مضبوطة تجريبياً باستخدام معدل ضربات القلب وموصلية الجلد والتعرف على عواطف الوجه بالذكاء الاصطناعي، أن تأثيرات الضوضاء في المكاتب المفتوحة حقيقية للغاية.

اظهار أخبار متعلقة



وأضافت ساندر: "لقد وجدنا علاقة سببية مهمة بين ضوضاء المكاتب المفتوحة والإجهاد الفسيولوجي، وتظهر نتائجنا أن مثل هذه الضوضاء تزيد من الحالة المزاجية السلبية بنسبة 25%، وتأتي هذه النتائج من اختبار المشاركين في مكتب محاكاة مفتوح لمدة ثماني دقائق فقط في المرة الواحدة، ولكن في مكتب حقيقي، حيث يتعرض العمال للضوضاء بشكل مستمر أثناء النهار، نتوقع أن تكون التأثيرات على التوتر والمزاج أكبر.

وأوضحت بأنه تم في الدراسة استخدام بيئة محاكاة مكتبية مع متطوعين لمقارنة تأثيرات ضوضاء المكتب ذات المخطط المفتوح النموذجية بمكتب خاص أكثر هدوءا على مجموعة من المقاييس الموضوعية والذاتية للرفاهية والأداء، تضمنت مقاطع الصوت التي تم التلاعب بها بعناية أشخاصًا يتحدثون ويمشون ويطبعون الأوراق ورنين الهواتف وضوضاء الكتابة على لوحة المفاتيح.

وقالت: "تضمنت دراستنا مراقبة نفس الأفراد العاملين - طُلب من المشاركين إكمال مهمة تدقيق القراءة - في ظل ظروف الضوضاء، وقمنا بتغيير ترتيب اختبارات الصوت لتجنب التحيز الناتج عن التعب وتأثيرات التدريب، وسمح لنا هذا "التصميم التجريبي للإجراءات المتكررة" بالتوصل إلى استنتاجات سببية حول تأثيرات الضوضاء على مؤشرات الرفاهية.

بالمقابل عبر اختصاصي الطب النفسي علاء الفروخ، عن اعتقاده، بأن "المكاتب المفتوحة لا تنتهك خصوصية الموظف، فمكان العمل هو عام وليس مكانا خاصا"، مشيرا إلى أن "المكاتب المفتوحة لها ميزة وهي أنها شفافة أكثر بالتالي تجعل الموظف أكثر انضباطا وتعامله أكثر رصانة".

وأوضح الفروخ خلال حديثه لـ"عربي21 لايت"، بأن "رأيه ينطبق بشكل عام، ولكن يبقى هناك اعتبارات خاصة لبعض الأعمال التي تتطلب خصوصية للعميل وربما للموظف أحيانا".

اظهار أخبار متعلقة



وحول التأثير النفسي للمكاتب المفتوحة على الموظف وهل يكون سلبي أم إيجابي قال الفروخ: "في البداية قد يكون سلبيا، وذلك لأنهم غير معتادين على هذا النمط من بيئة العمل ولشعورهم بفقدان الخصوصية، لكن إذا كانت بيئة العمل مريحة وعادلة ستكون إيجابية لاحقا".

ولفت أن الإيجابية في بيئة العمل التي تكون ضمن مكاتب مفتوحة تكمن "هي أنها تجعل الموظف يشعر بالعدالة وأن الجميع يعمل بشفافية وانفتاح على الآخرين".

سلبيات وإيجابيات

وكأي أمر أو جزء من أي بيئة عمل يكون له سلبيات وإيجابيات وكذلك الأمر بالنسبة للمكاتب المفتوحة، فمن إيجابياتها وفقا لتقرير موقع "فلوك" المختص في التطوير الوظيفي، تعزيز التواصل، ومن السلبيات أنها تكون صاخبة ومشتتة.

وتاليا إيجابيات وسلبيات المكاتب المفتوحة وفقا للتقارير التي ترجمتها "عربي21 لايت":

الإيجابيات

تعزيز التواصل

من خلال إزالة الجدران وتجميع مكاتب عمل الموظفين معا تجعل المكاتب المفتوحة أعضاء الفريق أكثر قربا من بعضهم البعض، وهذا يعزز التواصل داخل الفريق، مما يؤدي غالبًا إلى عمل جماعي أفضل.

ومع عمل معظم الكادر في نفس المساحة، هناك أيضًا المزيد من "الاصطدامات الثقافية" بين الموظفين ما يؤدي إلى الإبداع والدعم وخلق شعور بالانتماء إلى المجتمع.

اظهار أخبار متعلقة



مرنة وقابلة للتعديل

تتميز المكاتب المفتوحة بالمرونة، لذلك لا يتعين على الأنشطة التجارية الالتزام بتصميم واحد، مقارنة بالمكاتب ذات الحجم المماثل "المنفردة"، ويمكنك تغيير مخططاتك مع نمو فريقك، أو يمكنك تجربة أنماط جديد في ترتيب المكاتب على مدار سنوات.

أرخص وأقل تكلفة

التحول إلى مكتب مفتوح يوفر على الشركات الأموال التي تنفقها على تأثيث عشرات المكاتب المنفردة، كما يمكن للشركات أيضًا أن تنفق أقل على معدات تكنولوجيا المعلومات المشتركة مثل آلات التصوير والطابعات والماسحات الضوئية، باختصار، المكاتب ذات المخطط المفتوح أرخص في الإنشاء والصيانة.

السلبيات

صاخبة ومشتتة للانتباه

أكبر عيب في المكاتب المفتوحة أنها يمكن أن تكون مزعجة، فالعمل معًا في الأماكن المفتوحة يُسهل تشتيت انتباه أحد الزملاء عندما يطرح زميله سؤالاً، أو يتحدث شخص آخر عبر الهاتف، أو القليل من الدردشة حول خطط عطلة نهاية الأسبوع.

وعلى الرغم من أن البعض قد يرفض فكرة أن ضوضاء المكاتب المفتوحة قد تشتت الانتباه، إلا أن منصة يوديمي التعليمية، أشارت في دراسة لها أجرتها عام 2018 إلى أن 80% الموظفين اعتبروا أن زملاء العمل الثرثارين وضوضاء المكتب مصدر إلهاء كبير.

تفتقر إلى الخصوصية

مع عمل أعضاء الفريق جنبًا إلى جنب طوال اليوم، هناك القليل من الخصوصية أو انعدام الخصوصية في المكاتب ذات المخطط المفتوح، في حين أن هذا قد يجعل الموظفين يركزون على العمل، إلا أن هناك بعض الجوانب السلبية لنقص الخصوصية أيضًا، حيث يمكن أن تكون المكاتب المفتوحة مخيفة للانطوائيين في القوى العاملة لديك، لكن الأشخاص المنفتحين لا يحبون أن تتم مراقبتهم طوال الوقت أيضًا.

اظهار أخبار متعلقة



الموظفون الذين يشعرون بأنهم "تحت العين" في العمل يكونون أقل إنتاجية أيضًا، ففي دراسة لعمال المصانع الصينيين بعنوان "مفارقة الشفافية: دور للخصوصية في التعلم التنظيمي والتحكم التشغيلي"، وجد الباحثون أن الإنتاجية تباطأت عندما كان المدير يراقب، وعادت مرة أخرى عندما كان العمال غير خاضعين للإشراف.

تسبب القلق والتوتر

المكاتب ذات المخطط المفتوح بها حواجز مادية قليلة، إن وجدت، بالتالي يرى الجميع أي شخص آخر طوال الوقت، وحتى لو لم يكن لدى الموظفين ما يخفونه فإن حالة المراقبة هي حالة قلق.

تخلص من مجموعة من عوامل الإلهاء، والمقاطعات المستمرة، ونقص الخصوصية، و"الحاجة" لأن يُنظر إلى الموظفين على أنهم مشغولون، كل هذا يجعل المكاتب المفتوحة بيئة مرهقة لإنجاز أي شيء.

تظهر الأبحاث أيضًا أن المكاتب المفتوحة تميل إلى التسبب فيما يعرف بـ"حاجز العمر"، حيث تدفع البيئة المجهدة المليئة بالضغوط الموظفين الأكبر سنًا للاستقالة والانسحاب، وبالتالي يتم توجيه القوى العاملة نحو الأشخاص الأصغر سنًا والأكثر صحة والذين يتغلبون على قسوة المكاتب المفتوحة لفترة أطول.
شارك
التعليقات