فيلم "Downsizing" أو "التقليص"، محاولة للهروب من الواقع المر، إلى الخيال المريح، وطريقة سريعة لتحويل الإنسان الحديث العملاق - السيّئ أحيانا - كما يصفه الفليسوف ليو شتراوس، إلى كائن مفيد بطول سنتمترات.
عمل من بطولة مات ديمون، وكريستوف والتز وهونغ تشاو وكريستين ويج وإخراج ألكسندر باين، وموسيقى رولف كنت، اختير ليكون الفيلم الافتتاحي في مهرجان البندقية السينمائي الـ 74 لعام 2017، ورشح لعدة جوائز.
يصور الفيلم عالما مليئا بالحقائق المرة، الفقر والطبقية، والعوز والفاقة، مشاكل البيئة والمناخ، وقلة المساكن والموارد.
عالم ينشغل فيه العلماء بالسباق نحو القمر والمريخ، عوضا عن البحث عن علاج لمرض والدة بول، ويبدي فيه السياسيون اهتماما بمشاكل البيئة أكثر من ألمها المزمن.
ويرى شتراوس أن الإنسان مشى إلى الهاوية بنفسه، لأن التقدم المادي لم يؤد إلى تقدم معنوي، والتقدم الحديث لم يقابله زيادة في الحكمة والخير.
اظهار أخبار متعلقة
وعلى قاعدة "صغرّها تصغر" يقترح صنّاع الفيلم حلا لمشاكل الإنسان التي سببها لنفسه ابتداء، ليلائم موارده.
حل اقتصادي فرداني، يحث الإنسان على "تصغير" جسده وتغيير "مقاس" الحياة بدل أن يغير معناها، حل يحفر تحت المشكلة لكنه لا يصل إلى جذورها.
تنبيه: حرق لأحداث الفيلم بعد هذه الفقرة.
بول سافرانيك، مواطن أمريكي عادي يعمل في وظيفة بسيطة ويحلم بحياة أفضل مع زوجته الطموحة أودري. يقرر معها الخضوع لعملية تقلّص البشر إلى حجم صغير مقابل وعود بحياة فاخرة في "ليجرلاند"، مجتمع يفترض أن يكون طوباويا.
يبدأ مشهد الانتقال من مجتمع لآخر بمراسم تشبه مراسم التطهير، يحلق شعر رأسه وجسده، ويتخلى عن أسنانه وأنيابه وثيابه، ليصحو في عالم جديد.
وكما هو في العالم الكبير، يخذلك البعض أيضا في العالم الصغير، إذ تتراجع زوجته عن خوض العملية، وتتركه صغيرا وحيدا في عالم جديد.
عندما توقف بول أمام منزله الجديد قال له سائقه: "مرحبا بك في الحياة الجيدة".. وهو شعار ولاية نبراسكا التي غادرها، تغيّر وجهه، ربما أدرك أنه هجر لتوه الحياة الجيدة.
ينتقل بول إلى مدينة "ليجرلاند" المصغرة، التي تبدو مثالية بمنازل فاخرة ورفاهية عالية مقارنة بدخله السابق. ينال منزلا كبيرا ونمط حياة مريح بفضل انخفاض التكاليف في عالم المصغرين.
رغم الرفاهية، يشعر بول بالفراغ والوحدة. يبدأ بالتساؤل عن قراره، ويعيش حالة اكتئاب بسبب فقدان زوجته ومعنى الحياة الذي كان يظنه بانتظاره.
يتعرف بول على الناشطة نغوك لان، فيتنامية من بلد يعاقب المعارضين بـ"تصغيرهم"، فتحولت إلى لاجئة، تعمل في تنظيف المنازل في العالم الصغير، وتأخذ بول معها في رحلة تعلمه معنى الرحمة والمسؤولية بعد أن كان يبحث فقط عن حياة مريحة.
ويكتشف بول أن خلف الرفاهية المفرطة في "ليجرلاند" مجتمعات صغيرة فقيرة، تعيش ظروفا قاسية، هرب سكانها من مشاكل العالم الكبير، إلى مشاكل العالم الصغير، فتنهدم في نفسه فكرة المجتمع المثالي، كبيرا كان أم صغيرا.
ينضم بول لاحقا إلى رحلة مع علماء ومجموعة من المصغرين نحو المستعمرة الأولى التي أسسها العلماء الذين اخترعوا تقنية التصغير. هناك يكتشفون أن العالم يواجه كارثة بيئية وشيكا.
يسمع بول عن مشروع للهرب إلى مجتمع منعزل تحت الأرض يخطط لإنقاذ البشرية من انهيار وشيك. يتردد بين الانضمام لهذا "الخلاص" أو البقاء في العالم الصغير.
اظهار أخبار متعلقة
يرفض بول الهروب مرتين، ويقرر البقاء إلى جانب نغوك لان لمساعدتها في عملها الخيّر، بعد أن وجد معنى حقيقيا لحياته.
لم يحقق بول ما أراد، بل نقل مشاكله الكبيرة إلى عالمه الصغير، ولم يكن الحل في تصغير الجسد، بل في تكبير الروح، وكما يقول الرافعي: "لا تتم فائدةُ الانتقال من بلد إلى بلد إلا إذا انتقلت النفسُ من شعور إلى شعور؛ فإذا سافر معك الهم فأنت مقيم لم تبرح".
لم يغيّر تصغير الجسد حجم المشكلة.