هل تُعيد التكنولوجيا تشكيل نمو الأطفال وتؤثر على تعاملهم مع العالم الخارجي؟

الاطفال والتكنلوجيا - CCO
أظهرت دراسة أن الأطفال الذين يحصلون على هواتف ذكية قبل بلوغهم الثالثة عشرة قد يواجهون نتائج سلبية على صحتهم النفسية - ( CCO)
  • لندن- عربي21
  • الثلاثاء، 25-11-2025
  • 02:33 م
نشر موقع "كونفرزيشن" مقالا للأستاذة المشاركة في العلوم الإدراكية في جامعة لوند، فالنتينا فانتازيا، وأستاذة علم النفس في جامعة وارسو، جوانا راتشاسك ليوناردي، قالتا فيه إن المشهد الشائع في وسائل النقل العام هو أن "أحد الوالدين يحمل هاتفًا محمولًا يعرض رسوما متحركة صاخبة لطفله الصغير. وينظر الاثنان إلى الشاشة معا ويضحكان. ومع ذلك، نادرًا ما يتبادل الوالد والطفل النظرات أو ينظران إلى المناظر من حولهما".

وأضاف المقال إنه في حين أن العديد من الآباء والأمهات يستطيعون التعاطف مع مثل هذه اللحظات، إلا أن هذا مجرد مثال على كيف أصبحت التكنولوجيا (خاصة الشاشات الرقمية، بالإضافة إلى المساعدين الصوتيين، والروبوتات المنزلية، وما إلى ذلك) جزءًا من روتيننا اليومي، مما غيّر طريقة تفاعلنا وتعاملنا مع العالم من حولنا - والأهم من ذلك - مع بعضنا البعض.

وطرحت الأكاديميتان سؤالا مهما: "كيف يُغيّر كل هذا كيفية نمو الأطفال الصغار؟"، وجاء في الجواب أن النمو البشري في جوهره ممارسة اجتماعية. منذ الطفولة، نشارك في العالم من حولنا ونتعلم من التجارب، وخاصة من المواقف غير المألوفة واللقاءات الثقافية، بمساعدة شركاء أكثر دراية.

فعندما يتفاعل الكبار مع الصغار، يتشاركون وجهات النظر ويبتكرون معارف جديدة، نفهم العالم من حولنا، بتنوعه وتعقيده وجماله. يتعلم الأطفال منه، ويتعلم الكبار كيف يرون العالم من خلال عيون الطفل. فكيف يُمكننا أن نواجه العالم أو نفهمه عندما تجذب الشاشة انتباهنا؟.

وذكر المقال أن خمسة عقود من البحث في تخصصات النمو أظهرت مدى اعتماد النمو البشري على التفاصيل الدقيقة للتواصل الاجتماعي اليومي، بالنسبة للرضع والأطفال الصغار، ليس التواصل أمرا مجردا أو مفاهيميا: إنه يعتمد على اللحظات الصغيرة الروتينية التي نتشاركها مع الآخرين، من التوقف لمراقبة دودة بطيئة في طريقنا إلى المدرسة إلى قراءة كتاب معا على مائدة الإفطار. هكذا نصبح بشرا، وما يميز هذه الأنشطة المبكرة بين الأطفال والبالغين هو أنها تُبنى معا لحظة بلحظة من خلال الحديث والنظر والإيماءات (مثل الإشارة إلى شيء ما) والحركات.

اظهار أخبار متعلقة


وقالت الأكاديميتان: "كما أظهرت أبحاثنا على نطاق واسع، في الأشهر والسنوات الأولى من الحياة، يختبر الرضع ويتعلمون أنماط التفاعل مع الآخرين، حيث تكون توقيتات النظر والحركات والتعبيرات الصوتية واللغة بالغة الأهمية"ـ وأشارتا إلى أن ذلك يشمل مدة النظر إلى بعضكما البعض، أو تعلم التوقف والتناوب في محادثة أو نشاط. كما يتعلق الأمر بالتواصل البصري قبل الإشارة إلى شيء مثير للاهتمام في الغرفة. تُعلمنا هذه الأنماط كيفية التواصل مع الآخرين والمشاركة في الأنشطة المشتركة، ولا يوجد حاليا بديل لهذا التعلم.

التحول إلى بشر ما بعد العصر الرقمي
وأشار المقال إلى حقيقة أن الأجهزة الذكية وأدوات مشاهدة الصور والمقاطع أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الحياة الأسرية. فيستخدم ثلثا الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سنتين وخمس سنوات الشاشات لأكثر من ساعة يوميا، ويتناقص متوسط عمر البَدْء في استخدام الشاشات بشكل كبير.

وذكر المقال أنه خلال العقدين الماضيين، أظهر الباحثون كيف تُغيّر التقنيات الرقمية طريقة تعامل الأطفال مع مهامهم وأنشطتهم اليومية، بدءًا من اللعب والانتباه وصولا إلى التذكر والنوم، وأشار إلى أن التعرض اليومي للأجهزة الرقمية يرتبط بصعوبات في إنجاز الواجبات المنزلية، وإنجاز المهام، والحفاظ على الهدوء عند حدوث مشاكل عائلية. كما يبدو أن جودة النوم تتأثر سلبا بالشاشات، خاصة إذا كان ذلك قبل النوم مباشرة، حتى تشغيل التلفاز في الخلفية يمكن أن يؤثر سلبا على وقت لعب الأطفال الصغار جدا، مما يُؤثر على جودة تركيز انتباههم ويُقلل من نشاطهم في اللعب.

وأوضح التقرير أنه على الرغم من أن علم الأعصاب يُشير إلى أن التعرض المتكرر للتقنيات الذكية يُعيد برمجة أدمغة البشر بالفعل، إلا أن هذا ليس سلبيًا في جميع الأحوال، قد يُساعد المحتوى الإعلامي عالي الجودة، الذي تُقدمه الرسوم المتحركة أو التطبيقات التعليمية على سبيل المثال، الأطفال على التعامل بشكل أفضل مع مشاعرهم وتحسين مهاراتهم اللغوية.

وطرحتا السؤالين: "هل نتطور إذًا إلى كائنات فائقة الذكاء مُختلطة بالتكنولوجيا؟.. وبينما نترك الأطفال يتجولون بحرية في فضاءات هواتفنا الذكية، هل يزدادون ذكاء؟، وأجابتا بأنه ربما ليس الأمر سلبيا تماما، كما يشير كُتّاب وأكاديميون مثل جانيت وينترسون وكاثرين هايلز. فهما ترتئيان أن الوصول إلى ما بعد الإنسانية هو الخطوة التالية في التطور الطبيعي للبشر نحو التكيف والتحول إلى شيء مختلف "ليس أفضل ولا أسوأ".

وقالت فانتازيا وليوناردي في مقالهما: "في النهاية، بينما تُمكّن التكنولوجيا الأطفال من أن يصبحوا أكثر ذكاء في بعض المجالات، فإننا نعلم أيضا أنها قد تُعيق انتباههم ولعبهم ونومهم. وما لا نعرفه بالضبط هو كيفية تأثيرها على كيفية تفاعل الأطفال والآباء مع بعضهم البعض. تُجري مجموعتنا، SITE، في مختبر الروبوتات بجامعة لوند، حاليا أبحاثا حول كيفية فهم الأطفال للتكنولوجيا وكيف تُشكّل الممارسات الرقمية التفاعلات في المدرسة الابتدائية والأسرة".

لا وصفة سحرية
وأضافتا أنه قبل قرن من الزمان، اقترحت ماريا مونتيسوري أن الاهتمام هو أفضل هدية يُمكن أن يُقدمها شخص بالغ لطفل. كان الاهتمام، من وجهة نظرها، هو القدرة على الاهتمام بطريقة الطفل في اكتشاف العالم، ثم مشاركته معا.

ولكن عندما ينشغل الكبار والصغار بأمرٍ آخر، منفصلًا عن سياقه، كمشاهدة فيديو على الهاتف أثناء الجلوس في الحديقة، فقد تُفوّت فرصة الاكتشاف والتعلم معا من خلال لحظات الاهتمام المشترك، كما أشار التقرير إلى ان هذه هي المواقف التي  يختبر الأطفال فاعليتهم وتأثيرهم، ويتعلمون التفاعل والانفصال مع الآخرين. مع تسارع التكنولوجيا، علينا أن نقيس مدى تأثيرها على هذا التواصل الحيوي.

اظهار أخبار متعلقة


وذكر أن قلق الآباء الغربيين يتزايد بشأن وقت أطفالهم أمام الشاشات، وبالنسبة لمعظمهم، يُعدّ التعامل مع هذا الوقت صراعا حقيقيًا. ولكن بدلا من إلقاء اللوم على ممارسات الأسرة، يجب أن ندعم الآباء في فهم أنه لا توجد وصفة سحرية. يكمن السر في معرفة أي اللحظات المشتركة يُفضّل الاستعانة بالأجهزة التقنية وأيها يجب الحفاظ عليها بعيدا عن التكنولوجيا.

وقدمت الكاتبتين هذا الاقتراح: "أي لحظة من اليوم نقضيها معا بدون شاشات هي لحظة ثمينة، حتى تلك التي تبدو غير مهمة. قراءة كتاب قبل النوم، ورواية قصص مُبتكرة أثناء قيادة السيارة، والتقاط الكستناء في الشارع في طريق العودة إلى المنزل، أو حتى الشعور بالملل معا، كلها أمور بالغة الأهمية".

كما نصحتا بالاحتفاظ بتلك اللحظات  واختيار ما يستحق منها شاشة، على سبيل المثال عندما تكون طاقة الكبار ضعيفة جدا بحيث لا يستطيعون تقديم أي شيء أفضل. لا يوجد مقاس يناسب الجميع – فقط على الشخص أن يبحث عن ما يناسب عائلته، وخلصتا إلى أنه بعد بضع سنوات، قد نرى أن عملية التعلم البطيئة لدينا مع الآخرين ومن خلالهم قد تغيرت جذريًا. وبينما لا ينبغي اعتبار التكنولوجيا بحد ذاتها سيئة أو جيدة تمامًا، فإن فهما أعمق لكيفية مشاهدة الأطفال ولعبهم وتفاعلهم مع الأدوات الرقمية أمر ضروري.
شارك
التعليقات