وأظهرت تحليلات الحمض النووي للجثث أن سكان المنطقة قاوموا التوسع الروسي بطرق غير مألوفة مقارنة بتجارب استعمارية أخرى، من خلال الحفاظ على بنيتهم الاجتماعية وموروثهم الديني، لا سيما الشامانية، التي استمرت ممارستها حتى أواخر القرن الثامن عشر، رغم الجهود المكثفة لتنصير السكان.
ومن أبرز الاكتشافات، رفات شامان من قبائل الياكوت القوية، توفيت في الثلاثينيات من عمرها قبل أكثر من 250 عاما، ويعتقد أنها من آخر من مارس هذا الدور الروحي في المنطقة. وكشف التحليل الجيني لرفاتها أن والديها كانا من أقاربها من الدرجة الثانية، في نمط زواج كان شائعا آنذاك للحفاظ على النسب داخل الطبقات القيادية.
وقال الدكتور لودوفيك أورلاندو، من المركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا، لموقع “لايف ساينس”:
“كان الوالدان على الأرجح في علاقة قرابة من نوع العم وابنة أخيه أو العمة وابن أخيها”.
ودفنت الشامان في تابوت مصنوع من جذع شجرة، وكانت ترتدي عدة طبقات من الملابس، من بينها ثوب صوفي أحمر، وقبعة أوشانكا الياكوتية التقليدية، إضافة إلى جوارب جلدية طويلة تصل إلى الفخذ. وبالقرب من موقع الدفن، عثر على حفرة تضم ثلاثة هياكل عظمية لخيول، أحدها مزين بإكسسوارات تحمل نقوشا مطابقة لزي الشامان، ما يعزز الفرضية المتعلقة بالمكانة الروحية الرفيعة للمدفونة.
وأوضح أورلاندو أن فترة دفن الشامان تزامنت مع تصاعد النفوذ المسيحي في المنطقة، مرجحا أن بعض قبائل الياكوت تمسكت عمدا بتقاليدها الروحية القديمة، في مواجهة محاولات فرض المعتقدات الجديدة.
واستغرقت أعمال التنقيب الأثري نحو 16 عاما، وأسفرت عن العثور على رفات 122 شخصا في أربع مناطق مختلفة من ساخا–ياكوتيا، إحدى أبرد مناطق العالم. وتغطي هذه الاكتشافات مراحل زمنية سبقت الغزو الروسي لسيبيريا عام 1632، ورافقته، وتلته.
اظهار أخبار متعلقة
وفي دراسة نشرت في مجلة “نيتشر”، حلل الباحثون الحمض النووي للسكان الأصليين لمعرفة ما إذا كان الغزو الروسي قد أحدث تغييرا في التركيبة الجينية للمنطقة. وتبين أن الأصول الجينية للياكوت المعاصرين تعود إلى القرنين الثاني عشر والثالث عشر، بما يؤكد دقة الروايات الشفوية المتوارثة لدى السكان.
وعلى خلاف ما حدث في تجارب استعمارية أخرى، مثل الغزو الإسباني للأمريكتين، لم يجد الباحثون أي دليل واضح على تراجع عدد السكان الأصليين أو اختلاطهم ديموغرافيا بالمستوطنين الروس.
وقالت الدكتورة بيرلا غوارينو-فينيون، من مركز سانت أنطوان للأبحاث في باريس:“تُظهر تحليلاتنا أن التراث الجيني لسكان المنطقة ظل مستقرًا منذ القرن السادس عشر وحتى يومنا هذا، ما يشير إلى غياب الاستيطان القائم على الاستبدال الديموغرافي، على الأرجح بسبب الصعوبات اللوجستية للاستقرار في بيئة قاسية كهذه”.
كما شمل البحث دراسة الميكروبيوم الفموي لدى شعب الياكوت، عبر تحليل الأسنان وطبقات البلاك السنية للمومياوات، بهدف رصد أي تغيّرات ناتجة عن إدخال محاصيل مثل الشعير والجاودار، أو التبغ، من قبل الروس.
وعلى خلاف التوقعات، أظهرت النتائج أن الميكروبيوم الفموي ظل مستقرًا إلى حد كبير، رغم قرون من الاحتلال والتغيرات الاقتصادية.
وقال الدكتور إريك كروبزي، من المركز الوطني للبحوث العلمية: “كانت الجثث محفوظة بدرجة استثنائية، ما أتاح لنا إجراء تشريح فعلي لها. كما نجت الملابس والمجوهرات بحالة جيدة، وهو ما وفر فرصة نادرة للمقارنة بين البيانات البيولوجية والثقافية التي تعود إلى قرون مضت”.
ويُعد هذا الاكتشاف واحدًا من أهم الشواهد العلمية على قدرة المجتمعات الأصلية في أقصى شمال آسيا على الحفاظ على هويتها الثقافية والدينية والجينية، رغم ضغوط الغزو والاستيعاب القسري