وقال الموقع، في تقريره الذي ترجمته "عربي21"، إن المرء يواجه يوميًا مهامًا وتحديات مهنية تتباين بين ما هو مُرضٍ ومحفّز، وما يفرض ضغوطًا وتوترًا. لكن بعض الموظفين بدلًا من التعامل البنّاء مع الإشكالات ينزلق إلى دوامة من الشكوى والتذمر.
اظهار أخبار متعلقة
لكن ما يجهله الكثيرون أن التذمر المستمر من بيئة العمل والتعبير المتكرر عن الاستياء، الذي قد يبدو ظاهريًا وسيلة عابرة لتفريغ الاحتقان، يحمل في طياته آثارًا أعمق مما يُتصوّر.
فقد أظهرت دراسات علمية حديثة أن الدماغ يتعامل مع هذا السيل المتواصل من العبارات السلبية بوصفه تهديدًا حقيقيًا، الأمر الذي يُفعّل سلسلة من الاستجابات البيولوجية السلبية داخل الجسم.
الدماغ في حالة تأهّب
عند الإمعان في الشكوى من العمل أو من الزملاء أو من الإدارة، أو حتى من طبيعة المجال المهني ذاته، يتعامل الدماغ مع هذا النمط المتكرر من السخط بوصفه إشارة خطر. فهو لا يميّز بين تهديد حقيقي يطال الحياة وبين حالة عدم الرضا عن بيئة العمل، بل يستجيب لكليهما بالآلية ذاتها.
وفي هذا السياق، يتم تنشيط محور تحت المهاد – الغدة النخامية – الغدة الكظرية، وهو النظام المسؤول عن تنظيم استجابة الجسم للضغط النفسي. ونتيجة لذلك، يرتفع إفراز هرمون الكورتيزول، المعروف بهرمون التوتر. وعلى الرغم من أن الكورتيزول يؤدي دورًا حيويًا على المدى القصير من خلال تعبئة طاقات الجسم وتعزيز القدرة على المواجهة، فإن بقاء مستوياته مرتفعة لفترات طويلة يحوّله إلى عامل مُنهِك للصحة. فاستمراريّة إفرازه بهذا الشكل تُربك الأداء الطبيعي للعديد من الأجهزة الحيوية وتُطلق سلسلة من العمليات الهدّامة داخل الجسم.
التداعيات الفسيولوجية
وذكر الموقع أن الارتفاع المستمر لمستويات هرمون الكورتيزول، الناتج عن حالة التذمر المزمنة، يُطلق سلسلة متشابكة من التغيرات الفسيولوجية داخل الجسم. ويأتي في مقدمتها تصاعد مستوى التوتر العام، حيث تبقى العضلات في حالة انقباض دائم، ما ينعكس في صورة صداع متكرر وآلام في الظهر والرقبة.
كما يتأثر النوم بصورة مباشرة، إذ تزداد صعوبة الخلود إلى النوم، ويصبح النوم متقطعًا. ومع استمرار الضغط النفسي، يضعف الجهاز المناعي تدريجيًا، ما يجعل الجسم أكثر عرضة للإصابة بالعدوى والأمراض.
ولا تتوقف الانعكاسات عند هذا الحد، بل تمتد إلى الجهاز القلبي الوعائي، حيث يسهم التوتر المزمن في رفع ضغط الدم وزيادة احتمالات الإصابة بأمراض القلب والشرايين. ويشير أطباء إلى أن العامل المشترك بين تزايد الحالات التي تعاني من إرهاق مزمن وصداع متكرر وضعف في المناعة هو التعرض لفترات طويلة من عدم الرضا الوظيفي والانغماس المستمر في النقد والشكوى.
طريق التعافي
حسب الموقع، فإن إدراك التأثير الحقيقي للشكوى المستمرة على الصحة الجسدية والنفسية يُعد الخطوة الأولى نحو تصحيح المسار. فالفهم الواعي لهذه العلاقة يكشف أن التركيز الدائم على الجوانب السلبية لا يسهم في حل المشاكل بل يُعمّقها.
من هنا تبرز أهمية تعلّم إدارة الحالة الانفعالية واعتماد مقاربات أكثر فاعلية في التعامل مع تحديات العمل. فبدل استنزاف الطاقة في التذمر، يصبح من الأجدى تحليل أسباب الاستياء والبحث عن سبل عملية لمعالجته سواء من خلال الحوار مع الإدارة، أو تطوير المهارات عبر التدريب، أو إعادة تنظيم المسؤوليات، أو حتى التفكير في تغيير بيئة العمل إذا استنفدت الحلول الممكنة.
اظهار أخبار متعلقة
كما يشكّل تعزيز مهارات التكيف مع الضغوط عنصرًا أساسيًا في كسر الحلقة السلبية، إلى جانب تبنّي ممارسات الاسترخاء مثل التأمل واليوغا وتمارين التنفس مع توجيه الانتباه إلى الجوانب الإيجابية في الحياة. فهذه الخطوات مجتمعة قادرة على إعادة التوازن الداخلي.
خلاصة
إن التحول الواعي في التركيز من استحضار المشاكل إلى البحث عن الحلول يُعد أداة فعّالة لإحداث تغيير حقيقي في مستوى الإدراك والصحة الجسدية على حد سواء. فعند التوقف عن اجترار أوجه القصور، يُحرّر المرء طاقة ذهنية يمكن توجيهها نحو الإنتاج والبناء. وهذا لا يعني تجاهل التحديات أو التقليل من شأنها، بل إعادة صياغتها ضمن إطار أكثر وعيًا وإتزانًا.
ومن شأن التعامل مع المهام المهنية بعقلية قائمة على الحلول أن يُدرّب الدماغ على التفكير بمرونة وإبداع أكبر، ويُعزز قدرته على التكيّف مع المتغيرات. وتؤكد المعطيات العلمية أن التوجه الإيجابي يُنشّط في الدماغ مراكز مرتبطة بالشعور بالرضا والتحفيز، في حين أن الاستغراق في الأفكار السلبية يُحفّز مناطق مرتبطة بالألم والخوف.
وفي ختام التقرير، نوه الموقع بأن تنمية التفاؤل بصورة واعية لم تعد مجرد نزعة عاطفية أو توجها عصريًا، بل باتت نهجًا مدعومًا بالعلم للحفاظ على الصحة النفسية والجسدية.