النساء وموجات الحر.. لماذا تعاني المرأة أكثر من الرجل بسبب المناخ؟

pexels-ira-2300811-5201103
تزيد الموجات الحارة أعباء النساء في بعض مناطق العالم - CC0
  • لندن – عربي21
  • الجمعة، 05-06-2026
  • 08:40 ص
نشر موقع "ذا كونفرسيشن" الأسترالي تقريرًا يتناول التأثيرات المدمرة وغير المرئية لموجات الحر الشديدة على الحياة اليومية للنساء التي تتجاوز تبعاتها إحصاءات الوفيات لتكشف عن أزمة جندرية اجتماعية عميقة.

وقال الموقع، في هذا التقرير الذي ترجمته "عربي21"، إن موجة حرّ غير اعتيادية ضربت أجزاء واسعة من الهند في شهري نيسان/ أبريل وأيار/ مايو ، حيث تجاوزت درجات الحرارة 46 درجة مئوية في الشمال والوسط، وأُغلقت المدارس، وأنشأت المستشفيات وحدات خاصة لعلاج ضربات الشمس، فيما أصدرت الحكومة تحذيرات رسمية.

وغالبًا ما تُعتبر موجات الحر أزمة صحية قد تخلق 490 ألف وفاة سنويًا بسبب الحرارة على مستوى العالمي، لكن هذه الإحصاءات لا تُظهر التأثيرات المدمّرة للحرارة على حياة النساء اليومية، والتي لا تنعكس في أرقام الوفيات. وقد خلصت مراجعة بحثية شملت أمثلة من أوقيانوسيا وأفريقيا وآسيا أن الفئات الأكثر اضطرارًا للتكيّف مع الحرارة هي نفسها التي تتجاهلها السياسات المناخية.

الحرارة في أماكن العمل والمنزل

أشار الموقع إلى أن تجربة الناس مع الحرارة غالبًا ما ترتبط بالنوع الاجتماعي، حيث تُحدّد المهام المتأثرة بالحرارة وفق الأعراف الاجتماعية والثقافية. ففي مناطق عديدة من أفريقيا وآسيا وأوقيانوسيا، تتحمل النساء مسؤولية رعاية المنازل، ويُجبرن على البقاء في بيوت سيئة التهوية بلا عزل أو تبريد، مما يسبب لهن ضغطًا جسديًا ونفسيًا كبيرًا.

يزيد الفصل بين الجنسين في أماكن العمل من تعرض النساء للحرارة أيضًا، إذ أظهرت أبحاث في الهند وبنغلاديش أن ضعف المرافق الصحية في أماكن العمل غير الرسمية يضر بالنساء بشكل خاص، حيث تضطر بعضهن لتقليل شرب الماء لتجنب استخدام مرافق غير صحية، مما يؤدي إلى الجفاف ومشكلات صحية إضافية.

كما تُلزم الأعراف الثقافية والدينية في الهند والمالديف النساء بارتداء ملابس أكثر من الرجال، ما يزيد شعورهن بالحرارة وعدم الراحة، وهذه ليست مجرد أسباب إزعاج بسيطة، بل عوامل تفاقم التعرض للحرارة.

إعادة تشكيل الحياة الاجتماعية

أفاد الموقع بأن النساء في المناطق الاستوائية يضطررن للبقاء في المنازل أثناء موجات الحر، مما يحد من تواصلهن الاجتماعي. وأظهرت دراسة في بوركينا فاسو أن الحرارة تزيد عزلة النساء الحوامل وتقلل من ارتباطهن بالأصدقاء والعائلة.

تؤثر الحرارة أيضًا على صورة النساء عن أنفسهن. فقد ذكرت نساء حوامل في المناطق الريفية في كينيا أن عجزهن عن أداء المهام الخارجية أثناء موجات الحر جعل المجتمع ينظر إليهن باعتبارهن نساء ضعيفات أو كسولات، وهو ما يُعد معاملة قاسية في بيئات تربط قيمة المرأة بقدرتها على أداء واجباتها المنزلية.

وأضاف الموقع أن هناك أدلة قوية على أن ارتفاع درجات الحرارة يزيد من خطر العنف الجسدي الذي يمارسه الرجال ضد النساء، ففي الكاميرون كانت النساء اللواتي يعانين من الحرارة في المنازل أكثر عرضة بثلاثة أضعاف للإبلاغ عن زيادة العنف المنزلي. وارتبطت موجات الحر في بنغلاديش وكمبوديا ونيبال بزيادة حالات زواج الأطفال؛ حيث تلجأ الأسر الفقيرة إلى تزويج بناتها لتخفيف الأعباء المالية، وهو ما يؤدي إلى تقليل الأمان وإضعاف مكانة الفتيات.

النساء يتكيّفن بالفعل

أكد الموقع أن التكيف مع عالم يزداد حرارة يتطلب جهودًا مشتركة من الأفراد والمؤسسات، لكن النساء لا ينتظرن السياسات، بل يبتكرن حلولًا عملية بأنفسهن. ففي أحياء أحمد آباد بالهند، قامت النساء بطلاء الأسطح باللون الأبيض واستخدام قش جوز الهند والنفايات الورقية لبناء أسقف أكثر عزلا للحرارة.

أما نساء بنغلاديش فقد أنشأن غرفًا مظللة جيدة التهوية ملحقة بالمنازل لتوفير الحماية من الشمس والخصوصية، إضافة إلى استخدامها كمكان للتجمعات الاجتماعية. وفي جاكرتا، أسست النساء مناطق مظللة جماعية تعمل كمراكز تبريد غير رسمية.

وتمثل هذه التعديلات اليومية الصغيرة ممارسات شعبية تنبع من الروتين اليومي أكثر من البرامج المؤسسية، وتخدم أغراضًا متعددة مثل التبريد الجسدي وتعزيز الروابط الاجتماعية وبناء المجتمعات.

ما الذي يجب تغييره؟

أوضح الموقع أن سياسات التكيف المناخي يجب أن تتجاوز فكرة التعامل مع الحرارة كأزمة محايدة جندريًا، إذ تُظهر الأبحاث أن تأثير الحرارة على النساء والرجال مختلف، ولا يقتصر اختلاف هذا التأثير على العوامل البيولوجية فقط، بل يمتد ليشمل الثقافة والسلطة والطبقة والهوية الاجتماعية.

وختم الموقع بالتأكيد على أن النساء لسن مجرد ضحايا على الهامش للحرارة، بل إن ممارساتهن اليومية غالبًا ما تكون غير مرئية بالنسبة للمؤسسات التي تضع استجابات المناخ، وينبغي على صانعي السياسات الاعتراف بهذه الجهود ودعمها مع تزايد موجات الحر عالميًا.
شارك