من التشرد إلى قمة المال.. كيف أصبح شاب نيجيري أحد أشهر خبراء التمويل في بريطانيا؟

الخبير المالي البريطاني من أصول نيجيرية بيتر كومولافي - إنستغرام
نام في الشوارع وعاد بـ50 جنيها.. قصة صعود خبير مالي ألهم البريطانيين - بيتر كومولافي "إنستغرام"
  • لندن- بي بي سي
  • الخميس، 09-07-2026
  • 08:47 ص
تكشف قصة الخبير المالي البريطاني من أصول نيجيرية بيتر كومولافي كيف يمكن لتجارب الفقر والتشرد أن تتحول إلى نقطة انطلاق نحو النجاح، بعدما انتقل من النوم في شوارع بريطانيا وهو في الثامنة عشرة إلى أن أصبح أحد أبرز المتخصصين في التثقيف المالي والاستشارات الاقتصادية، وفق روايته في برنامج "أوتلوك" الذي تبثه هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”.

يروي كومولافي أن بدايات حياته لم تكن اعتيادية. فقد ولد في إنجلترا عام 1979 لأبوين نيجيريين قدما إلى بريطانيا للدراسة والعمل، لكنهما لم يتمكنا من تربيته، فاختارا وضعه لدى أسرة بريطانية حاضنة من خلال ترتيب غير رسمي كان شائعا آنذاك، يعرف باسم "فارمينغ"، حيث يتولى آخرون تربية الأطفال مقابل اتفاق خاص.

تنمر وعنصرية في الطفولة
كان عمره ثلاثة أشهر فقط عندما انتقل إلى أسرة ساوندرز في مدينة هاستينغز الساحلية جنوب شرقي إنجلترا، ويقول: "كنت محظوظا جدا بأن انتهى بي المطاف لدى أسرة ساوندرز".

لكن الطفولة لم تكن سهلة. فكونه طفلا أسود في منطقة يغلب عليها السكان البيض جعله هدفا دائما للعنصرية والتنمر.

ويتذكر قائلا: "كنت أتعرض لألقاب عنصرية، وتقليد أصوات القردة، وكنت أبكي كثيرا في طريق عودتي إلى المنزل".

ورغم شكاوى والديه الحاضنين لإدارة المدرسة، لم يتغير الوضع، إلى أن نصحه والده بالدفاع عن نفسه، وهو ما أنهى الاعتداءات تماما، بحسب قوله: "توقف الأمر تماما. لم ينظر إلي ذلك الفتى مرة أخرى".

اظهار أخبار متعلقة



صدمة الرحيل إلى نيجيريا
اعتاد كومولافي زيارة والديه البيولوجيين خلال العطل الصيفية، لكن حياته انقلبت عندما بلغ الثامنة من عمره. أرسله والداه إلى نيجيريا، وهناك اكتشف أن الرحلة لن تكون مؤقتة.

ويقول: "كنت أعتقد أننا سنعود بعد أسبوعين، لكن والدتي ضحكت عندما سألتها عن موعد الطائرة، وأخبرتني أنني سأبقى هناك من الآن فصاعدا". ويصف تلك اللحظة قائلا: "شعرت بخيبة أمل ويأس وغضب كبير. عندما تكون في الثامنة، لا تملك خيارات حقيقية".

لم يكن يتحدث سوى الإنجليزية، بينما كانت عائلته تستخدم لغة اليوروبا، ورفض تعلمها أمامهم رغم أنه أتقنها لاحقا، معتبرا ذلك وسيلته الوحيدة للاحتجاج. وقال: "كانت تلك طريقتي الوحيدة لأجعلهم يعرفون أنني لم أكن سعيدا بوجودي هناك".

عاش كومولافي سنوات صعبة في نيجيريا، وسط نقص الخدمات الأساسية، إذ لم تكن المنطقة التي يقيم فيها مزودة بالمياه الجارية أو الكهرباء.

وقال: "منذ سن مبكرة جدا قيل لي إنك إذا أردت الخروج من وضع سيئ، فإن مسؤولية إصلاح ذلك تقع عليك".

ورغم الظروف، احتفظ بحلمه في أن يصبح طيارا، وكان يقضي الليالي يراقب الطائرات وهي تعبر السماء.
وأضاف: "كنت أعلم أن علي أن أكون على متن إحداها يوما ما".

كما وجد في الكتابة متنفسا، فكان يحمل معه الأوراق والأقلام باستمرار، ويكتب القصص واليوميات، قبل أن يبدأ لاحقا كتابة مواد إعلانية لصالح منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف".

بعد انتهاء دراسته الثانوية، اقتنع والداه بأنه لم ينسجم مع الحياة في نيجيريا، فجمعا المال لإعادته إلى بريطانيا.

وصل إلى مطار هيثرو وفي جيبه نحو 50 جنيها إسترلينيا فقط، ومعه عنوان منزل أسرته الحاضنة القديمة التي لم تتواصل معه طوال عشر سنوات. ويقول: "طرقت الباب ولم يجب أحد. جلست خارج المنزل ثلاث ساعات وأنا أرتجف من البرد".

وعندما عاد والداه الحاضنان، استقبلاه، لكنه أدرك سريعا أن حياتهما تغيرت. وأضاف: "بسذاجتي ظننت أنني سألقى استقبالا حارا، لكن حياتهما كانت قد مضت، وأصبح لديهما طفل آخر".

اظهار أخبار متعلقة



شهر في الشارع
بعد أشهر قليلة، حصل على وظيفة بسيطة لترتيب البضائع في أحد المتاجر، لكنه لم يكن يعرف كيف يدير أمواله، فأنفق راتبه بالكامل من دون دفع الإيجار، ليجد نفسه مطرودا من السكن.

رفض العودة إلى أسرته الحاضنة، واختار النوم في الشوارع. ويصف تلك المرحلة قائلا: "كان الأمر مرهقا وفظيعا".

لكن الصدفة قادته إلى رجل يدعى كيث، الذي وجده يحاول النوم تحت طاولة فأخذه إلى منزله، ثم استضافته والدته في منزلها حتى استعاد بعض الاستقرار. ويقول: "لو كنت أنام في زاوية أخرى من الشارع تلك الليلة، لما التقيته أبدا".

تقدم كومولافي لاحقا إلى مقابلة عمل في أحد البنوك، رغم اقتناعه بأنه لن يحصل على الوظيفة بسبب ديونه وسجله المالي.

وقال: "كنت أقول لنفسي: لن أحصل عليها على أي حال". لكنه فوجئ بأن مسؤولة التوظيف أخبرته بأنه سيكون أمين صندوق ممتازا.

ويتذكر قائلا: "رأت في شيئا لم أكن أراه في نفسي". ومنذ ذلك اليوم، اكتشف شغفه بالعمل المالي. وأضاف: "كنت جيدا جدا في شرح كيف يمكن لأموالك أن تعمل بصورة أفضل إذا اتخذت هذا القرار بدلا من ذاك".

الوصول إلى القمة
واصل كومولافي التدرج في القطاع المصرفي حتى التحق عام 2012 بإحدى أكبر شركات التأمين والخدمات المالية العالمية، حيث عمل في الطابق الخمسين من برج "وان كندا سكوير" في حي كناري وارف المالي بلندن.

ووصف تلك اللحظة قائلا: "كان الأمر أشبه بلحظة كشف. فيلمي المفضل هو السعي إلى السعادة، وكانت هذه لحظتي الخاصة".

وأضاف: "عندما كنت أعيش في الشارع وأنظر إلى الناس داخل بيوتهم الدافئة، كنت أفكر: كم سيكون جميلا أن أعرف هذا الشعور؟".

وخلال سنوات قليلة، أصبح أول شخص من خلفية عرقية غير بيضاء ينضم إلى اللجنة التنفيذية للشركة التي يعمل فيها.

قرر كومولافي لاحقا مغادرة العمل المؤسسي والتفرغ للتوعية المالية عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، كما أصدر كتابه "أساسيات المال: كيف تصبح بطلك المالي". ويؤكد أن تجربته الشخصية كانت الدافع الرئيسي لهذا التحول.

وقال في ختام حديثه لبرنامج "أوتلوك" عبر خدمة بي بي سي العالمية: "لو أن أحدا علمني حتى عشرة بالمئة فقط مما أعرفه الآن، لاتخذت قرارات أفضل بكثير في حياتي".
شارك