ولكن يقول علماء السلوك إن التدفق المتزايد للخيارات - سواء تعلق الأمر بالتسوق، أو الحياة الاجتماعية، أو العلاقات - يؤدي إلى العكس تماماً.
قال باري شوارتز، أستاذ علم النفس الفخري في جامعة سوارثمور ومؤلف كتاب "مفارقة الاختيار": "إن فكرة أن المزيد من الخيارات هو الأفضل متأصلة في الثقافة الغربية، لكن الأبحاث تظهر أن امتلاك المزيد من الخيارات يمكن أن يجعل الناس قلقين، ومترددين، وأقل سعادة، على نحو متناقض، بما يختارونه".
وتابع شوارتز لوكالة أنباء "أسوشيتد برس" الأمريكية: "هناك مئات الدراسات التي تبين أن الشيء الجيد يمكن أن يزيد عن حده".
وأضاف أنه لتقليل الضجيج العقلي، ينبغي تقييد عدد الخيارات التي تتخذها، وسيشكرك عقلك على ذلك.
المزيد غالباً ما يكون أكثر إرباكاً
قدم شوارتز عدة أمثلة على الحالات التي أدى فيها وجود المزيد من الخيارات إلى جعل الناس في وضع أسوأ.
وأشار شوارتز إلى دراسة يُستشهد بها كثيراً، أظهرت أن المتسوقين في متجر بقالة فاخر اشتروا برطمانات أكثر من المربى المصنوع يدوياً عندما عُرضت عليهم ستة نكهات بدلاً من تشكيلة أوسع تضم 24 نكهة.
اظهار أخبار متعلقة
وفي دراسة متابعة، كان الطلاب أكثر عرضة لإكمال فرض دراسي للحصول على درجات إضافية عندما أُعطوا ستة مواضيع للاختيار من بينها بدلاً من 30 موضوعاً.
وتوسعت أبحاث شوارتز بناءً على تلك النتائج لمعرفة الاستجابات العاطفية لهذه الظاهرة.
وقال: "بدلاً من أن تتحرر بكل هذه الخيارات، فإنك تصاب بالشلل. يمكنك فعل أي شيء، ولكن لا يمكنك تحديد أي من هذه الأشياء الكثيرة ستفعل".
وأضاف أن الناس غالباً ما ينتهي بهم الأمر إلى اتخاذ قرارات أسوأ، لأن المزيد من الخيارات يعني المزيد من النتائج السيئة المحتملة. وبمجرد أن يقرر شخص ما أخيراً من بين كل الاحتمالات، قد يكون أقل رضا حتى عن الاختيار الجيد، لخوفه من وجود بديل أفضل.
وقال شوارتز إن مشكلة الرضا حادة بشكل خاص بالنسبة للأشخاص الذين يهدفون إلى الحصول على الأفضل، والذين يطلق عليهم علماء النفس اسم "المعظمين" (maximizers - الساعين للكمال).
وقال: "الأشخاص المعظمون يعانون بشكل خاص من تكاثر الخيارات، فلا يرضيهم إلا الأفضل".
وأشار شوارتز إلى أن هذا الميل لا ينطبق على جميع الناس في كل المواقف؛ فعشاق السيارات يغوصون بسعادة في تفاصيل خيارات غير محدودة تقريباً عند شراء سيارة جديدة.
وأضاف: "لكنك لا تشعر بهذه الطريقة عندما يتعلق الأمر بشراء المربى".
الدماغ لا يحب اتخاذ القرارات
قال دانييل ويلينغهام، أستاذ علم النفس وباحث في العلوم العصبية بجامعة فرجينيا، إن هذه الظاهرة تحدث لأن الدماغ مصمم لتجنيب الناس عناء التفكير.
وأوضح ويلينغهام أن حل المشكلات يتطلب طاقة أكبر من الاعتماد على الذاكرة، وهي حقيقة لها جذور في نمط البقاء التطوري. فعند مواجهة هدف ما، سواء كان حاجة فورية مثل الاستجابة لتهديد أو شيء طويل الأجل مثل العثور على مأوى، يبحث العقل أولاً عما نجح في الماضي، ولا يبدأ جزء حل المشكلات في الدماغ بالعمل إلا بعد ذلك.
اظهار أخبار متعلقة
وقال: "وبطريقة أخرى، إذا كنت تفكر، فهذا يعني أن الأمور لا تسير على ما يرام".
وأضاف أن هذا يفسر لماذا يمر الناس أحياناً بأجزاء من يومهم بنظام "الطيار الآلي". فعلى مدار اليوم، يواجه الأشخاص مئات المواقف التي يمكنهم فيها فعل شيء مختلف، لكنهم يسلكون دائماً نفس الطريق إلى العمل تقريباً.
وقال شوارتز إن انتشار الخيارات أصبح متشابكاً أيضاً مع الهوية في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يمكن للجميع بسهولة مقارنة خياراتهم بخيارات الآخرين.
حدد خياراتك وامضِ قُدما
قال ديفيد إبشتاين إنه بعد إجراء أبحاث لكتابه "داخل الصندوق: كيف تجعلنا القيود أفضل" (Inside the Box: How Constraints Make Us Better)، بدأ في الابتعاد عن نزعاته نحو التعظيم. والآن، أصبح يقلل من فرص اتخاذ القرارات، مثلما فعل عندما اشترى 10 قمصان (T-shirts) متطابقة في المقاس وبألوان مختلفة.
لقد كان يتبع مثال هربرت سايمون، عالم النفس الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1978، والذي كان يمتلك ثلاث مجموعات من الملابس ويأكل الشيء نفسه تقريباً كل يوم.
أدخل سايمون مصطلح "satisficing" (القناعة الكافية)، وهو دمج بين كلمتي المرضي (satisfying) والكافي (sufficing)، ويعني وضع معايير "جيدة بما يكفي" للقرارات والمضي قدماً.
ويضع إبشتاين قواعد القناعة الكافية لنفسه عند التسوق عبر الإنترنت من خلال التركيز أولاً على الغرض من الشراء.
وقال: "عندما أجد منتجاً يلبي هذا الغرض، أشتريه، بدلاً من قراءة جميع المراجعات والانجرار وراء فكرة 'حسناً، هذا المنتج يحتوي على كل هذه الميزات الأخرى'".
واقترح ويلينغهام وشوارتز تفويض بعض القرارات للآخرين. فإذا كنت تبحث عن هاتف جديد، فابحث عن صديق سعيد بهاتفه واشترِ مثله.
اظهار أخبار متعلقة
وقال ويلينغهام إنه بالنسبة للقرارات الأكبر مثل التخطيط المالي، ستكون أكثر سعادة إذا اعتمدت على الخبرة المهنية لشخص آخر.
وأضاف: "إذا كنت تفكر وتقول حسناً، أنا رجل ذكي ويمكنني اكتشاف ذلك بمفردي، فأعتقد أنك تخدع نفسك".
واعترف شوارتز بأن التغيير صعب بالنسبة للأشخاص الذين يواجهون صعوبة في اتخاذ القرارات، لكن الأمر يستحق العناء.
وقال: "ما يحدث بمرور الوقت هو أنك ستجد أنه من الأسهل اتخاذ القرارات، وينتهي بك الأمر إلى أن تكون أكثر رضا عن القرارات التي تتخذها، وفجأة، ستجد أن لديك ساعتين إضافيتين في كل يوم".