روسيا تسجّل براءة اختراع لمحطة فضائية قادرة على توليد جاذبية اصطناعية

pexels-rockwell-branding-agency-85164430-9021616
CC0
  • لندن- عربي21
  • الخميس، 15-01-2026
  • 06:02 ص
نشر موقع "إنسايد أوفر" تقريرًا سلّط فيه الضوء على ابتكار روسي ثوري يتمثل في حصول شركة "إنيرجيا" على براءة اختراع لمحطة فضاء قادرة على توليد جاذبية اصطناعية تعادل نصف الجاذبية الأرضية، ما يفتح آفاقًا جديدة لتقليل الأضرار الصحية المصاحبة للمهام طويلة الأمد في الفضاء العميق.

اظهار أخبار متعلقة




وقال الموقع، في التقرير الذي ترجمته "عربي21"، إنه منذ أكثر من عشرين عامًا، تمثّل محطة الفضاء الدولية المختبر الرئيسي لدراسة الحياة البشرية في الفضاء، لكنها في الوقت نفسه سلّطت الضوء على قيدٍ جوهري لم تتمكن أي تقنية حالية من تجاوزه بالكامل: الجاذبية الصغرى، فحتى مع بروتوكولات تدريب صارمة، يعاني رواد الفضاء الذين يمضون أشهرًا في المدار من فقدان تدريجي في كثافة العظام، وضمور عضلي، وتغيرات في الجهاز القلبي الوعائي، وهذه التأثيرات — الموثّقة على نطاق واسع — تطرح تساؤلات جدّية حول قابلية تنفيذ بعثات أطول زمنًا، مثل تلك المتجهة إلى المريخ أو إلى الفضاء السحيق. وفي هذا السياق، حصلت شركة الفضاء الروسية إنيرجيا، المملوكة للدولة، على براءة اختراع لهندسة جديدة لمحطة فضائية صُمّمت خصيصًا لتوليد جاذبية اصطناعية.

ووفقًا لما أوردته وسائل الإعلام الرسمية الروسية والوثائق الخاصة ببراءة الاختراع، فإن النظام الجديد سيكون قادرًا على توليد جاذبية اصطناعية تبلغ نحو 0.5 جي، أي ما يعادل نصف الجاذبية الأرضية، ويرى الباحثون أن هذا المستوى الجزئي من الجاذبية قد يحدّ بشكل ملموس من الأضرار الفسيولوجية المرتبطة بالبقاء لفترات طويلة في بيئة منعدمة الوزن، وتأتي هذه البراءة في توقيت بالغ الحساسية؛ فبينما يستعدّ المجتمع الفضائي الدولي لبدء عملية إخراج محطة الفضاء الدولية من الخدمة، والمتوقعة في حدود عام 2030، يتزايد الاهتمام العالمي بالبحث عن حلول جديدة تجعل الوجود البشري في الفضاء أكثر أمانًا واستدامة على المدى الطويل.

البنية الدوّارة الموصوفة في براءة الاختراع

وأوضح الموقع أن النظام الذي سجّلته شركة إنيرجيا يعتمد على وحدة محورية مركزية تدمج بين مكوّنات ثابتة وأخرى دوّارة، ترتبط فيما بينها عبر وصلة مرنة محكمة الإغلاق.

ويُعدّ هذا العنصر أساسيًا، إذ يتيح دوران جزء من البنية دون المساس بسلامة الأحجام المضغوطة داخل المحطة، وحول المحور المركزي، تُثبَّت الوحدات السكنية بشكل شعاعي، إذ تدور لتوليد قوة طرد مركزي يشعر بها الطاقم على أنها جاذبية، وتشير الوثائق إلى أنه، ومع نصف قطر يقارب 40 مترًا وسرعة دوران تبلغ نحو خمسة دورات في الدقيقة، يمكن للنظام أن يحقق بسهولة مستوى جاذبية يصل إلى 0.5 جي. كما تُظهر الرسومات المرفقة مع براءة الاختراع تصميمًا معياريًا، جرى تصوره ليُجمَّع في المدار عبر عمليات إطلاق متعددة.

وأضاف الموقع أن توزيع المكوّنات الميكانيكية يشكّل أحد المحاور الأساسية في هذا التصميم؛ إذ جرى تركيز المحامل، والحشيات، وأنظمة نقل الحركة التي تتحكم في عملية الدوران على جانب واحد من الغلاف الدوّار، وتهدف هذه المقاربة الهندسية إلى تقليل مخاطر أن يؤدي عطل واحد فقط إلى تعطيل حركة الطاقم أو عزل أقسام كاملة من المحطة، كما تسمح منافذ الالتحام — سواء المحورية أو الشعاعية — بإضافة الوحدات السكنية بشكل تدريجي، مع الحفاظ على التوازن البنيوي للنظام خلال مراحل التجميع والتشغيل.

المشكلات التاريخية للجاذبية الاصطناعية

وأكد الموقع أن مفهوم الجاذبية الاصطناعية يرافق استكشاف الفضاء منذ بداياته الأولى، إلا أن المحاولات السابقة اصطدمت دائمًا بعقبات بدت وكأنها مستعصية على الحل، فقد افترضت مشاريع مثل نوتيلوس–إكس التابعة لوكالة ناسا هياكل دوّارة ضخمة متصلة بممرات مركزية، لكنها أثارت مخاوف جدّية تتعلق بالسلامة؛ إذ إن تعرّض نقطة اتصال واحدة لعطل كان كفيلًا بمحاصرة الطاقم أو جعل أقسام كاملة من المحطة غير قابلة للوصول. وحتى التصورات الأحدث — بما في ذلك تلك التي اقترحتها شركات تجارية — تشترط أن تقوم المركبات الزائرة بمزامنة دورانها مع دوران المحطة قبل الالتحام، وهو ما يزيد من مخاطر الاصطدام ويرفع مستوى التعقيد التشغيلي بشكل ملحوظ.

اظهار أخبار متعلقة




ولفت الموقع إلى أن براءة الاختراع التي حصلت عليها شركة إنيرجيا تعالج هذه الإشكاليات بشكل مباشر، إذ تنصّ على تسلسل تجميعي تُثبَّت خلاله الوحدات في البداية على منافذ التحام محورية غير دوّارة، ليجري بعد ذلك نقلها لاحقًا إلى المنافذ الشعاعية، ومع ذلك، يظل المشروع في إطار التصور النظري؛ فمحطة بهذا الحجم ستتطلب بالفعل عددًا كبيرًا من عمليات الإطلاق، إلى جانب عملية تجميع معقّدة في المدار. وبالتالي، تمثّل هذه البراءة تطورًا هندسيًا مهمًا يستند إلى دروس الماضي، لكنها لا تشكّل حلًا جاهزًا للتنفيذ الفوري.

إشارة إستراتيجية في حقبة ما بعد محطة الفضاء الدولية

وأشار الموقع إلى أنه لم تُعلن شركة إنيرجيا ولا السلطات الروسية حتى الآن عن توفير تمويل أو وضع جدول زمني لبناء محطة دوّارة مزوّدة بجاذبية اصطناعية، ويؤكد ذلك أن المشروع — في المرحلة الراهنة على الأقل — لا يزال حبيس الأوراق، غير أن دلالة براءة الاختراع تتجاوز بكثير مسألة قابليته للتنفيذ الفوري، ومع النهاية المقررة لمحطة الفضاء الدولية، تتجه القوى الفضائية الكبرى إلى استكشاف معماريات جديدة، تشمل محطات تجارية، ومنصات وطنية، وموائل مخصصة لمهمات الفضاء السحيق، وفي هذا السياق، يبعث المشروع الروسي بإشارة واضحة إلى تجدّد الاهتمام بتقنية يرى كثيرون أنها أساسية لمستقبل الرحلات البشرية طويلة الأمد في الفضاء.

ووفقًا للموقع فإن إمكانية توفير جاذبية جزئية ثابتة قد تسهم في تقليل فقدان الكتلة العظمية والعضلية، وخفض المخاطر القلبية الوعائية، وتبسيط عمليات إعادة التأهيل بعد انتهاء المهمات الفضائية. وفي الوقت نفسه، ستوفّر محطة من هذا النوع مختبرًا فريدًا لدراسة تأثيرات الجاذبية الجزئية على جسم الإنسان، إضافة إلى ذلك، لا يمكن قراءة المقترح الروسي بمعزل عن البعد السياسي؛ فمع الغموض الذي يحيط بمستقبل محطة الفضاء الدولية، وفي سياق توترات حادة مع الولايات المتحدة وأوروبا، تسعى روسيا إلى إعادة تأكيد استقلاليتها في الفضاء.

وإذا ما جرى، كما هو متوقع، إخراج محطة الفضاء الدولية من الخدمة خلال السنوات المقبلة، فإن الكرملين يعتزم استغلال هذه الفرصة لتعزيز موقعه، عبر الرهان على مشاريع مبتكرة قادرة على ترسيخ هيبته وزيادة نفوذه على الساحة الدولية. ومن هذا المنظور، لا تُعدّ المحطة الفضائية الروسية مشروعًا علميًا طموحًا فحسب، بل تمثّل إعلانًا صريحًا عن استقلال استراتيجي.

شارك
التعليقات