متى بدأ البشر بالرسم على أجسادهم ولماذا؟.. نأخذك في جولة عن تاريخ الوشم

jouwen-wang-58LAxLihSI0-unsplash
CC0
  • أحمد مصطفى
  • الثلاثاء، 05-09-2023
  • 04:22 م
لم يعد الوشم مجرد حبر على جلد، لكنه أصبح في العصر الحديث عملا فنيا، وسردا لقصة، واحتفالا بالهوية، وتعبيرا عن الذات، بعد أن كان في السابق، علاجا لمرض، ودفعا لشر، أو وصما بالعار.

ورغم معارضة الأديان السماوية للوشم، إلا أنه لا يزال يجد طريقه إلى أجساد البشر، حتى أن بعضهم يعتبرونه وسيلة لتمييز أنفسهم دينيا عن أصحاب الأديان الأخرى.

وتستخدم بعض الجماعات الوشم كوسيلة لتمييز أفرادها عن باقي أفراد المجتمع، كالعصابات مثلا.

أقدم الأدلة على الوشم

تعود أقدم الأدلة التاريخية والأثرية إلى أدوات يعتقد أنها صنعت من أجل الوشم في مواقع في فرنسا، والبرتغال، والدول الإسكندنافية وتعود إلى 12 ألف عام خلت.

لكن الدلائل الأوضح على الوشم، تعود إلى عدة آلاف من السنين، وبعد أن ظن الناس أن المصريين القدماء هم أقدم دليل ملموس على الوشم، ظهر "أوتزي رجل الثلج"، وهو مومياء لرجل وجدت محفوظة في الثلج على منطقة حدودية إيطالية نمساوية عام 1991 وعلى جسمه أكثر من 57 وشما تعود إلى حوالي 3300 عام قبل الميلاد، أي العصر البرونزي.




وتقول الوشوم على جسد أوتزي إنها على غالب الأمر كانت بداعي العلاج، وكانت نوعا من أنواع الوخز بالإبر، وكانت مرسومة بالسخام.

وفيما يتعلق بالوشم في الحضارة المصرية، فإن الآثار على المومياوات والرسوم في المقابر تشير إلى أن الوشم كان أمرا محصورا بالنساء، وكانت في غالب الأمر على أفخاذهن.

اظهار أخبار متعلقة



وكان يظن منقبو الآثار في السابق أن المومياوات التي عثر عليها لنساء لديهن وشوم على أجسادهن بأن هؤلاء النساء كن من طبقة أو مكانة "مشكوك فيها" ووصفت بعضهن بأنهن راقصات، لكن أماكن الدفن تقول غير ذلك، لأن بعضها وجد في مدافن الملوك والنخبة في منطقة الأقصر، ويحتمل على أن واحدة على الأقل من هذه المومياوات تعود لأحد كبار الشخصيات، وهي كاهنة تدعى أمونت بحسب نقوشها الجنائزية.

وتقول جوان فليتشر، الباحثة في قسم الآثار بجامعة يورك في بريطانيا، إن الوشم لدى المرأة المصرية القديمة كان له دور علاجي، أو شكل من أشكال التمائم، خصوصا من أجل الحمل والولادة، حيث كانت الرسوم في الغالب حول البطن، وأعلى الفخذين، والثديين.

ووجدت وشوم على أفخاذ نساء للآلهة "بيس" الهدف منها حماية النساء أثناء المخاض والولادة.

انتشار الوشم

يعتقد أن الوشم انتقل إلى أماكن العالم المختلفة عن طريق الهجرة، لا سيما الشعوب البدوية التي تعتمد على التنقل المستمر، حيث كانت مختلف قبائل الغجر في الهند والشرق الأوسط من رسامي الوشوم، ونقلوها إلى أوروبا الشرقية، كما كان الكيثيون مسؤولين عن نقل الوشوم من سيبيريا إلى أوروبا الشرقية في بداية العصر المسيحي.

Embed from Getty Images

كما تبادل البشر الوشوم عند اللقاء بينهم، كدليل على الاحترام، أو الصداقة، أو من باب الفضول وأفضل دليل على ذلك تبادل الوشوم بين البحارة الأوروبيين، وسكان جزر البحر الجنوبي.

الوشم في الأمريكتين

يُعتقد أن الوشم كان يُمارس في جميع أنحاء الأمريكتين، حيث تحمل إحدى المومياوات من التشينشورو في ما يعرف الآن بتشيلي وشما عبارة عن مجموعة من النقاط السوداء تشبه الشارب تحت أنفها. وكشفت الأبحاث الحديثة أن رجل تشينشورو توفي بين عامي 2563 و1972 قبل الميلاد.

Embed from Getty Images

كما تم اكتشاف "مومياء تولتيك"، وهي امرأة يعتقد أنها عاشت حوالي عام 250 بعد الميلاد في ما يعرف الآن بالمكسيك، مع وشم معقد على ساعدها يعكس زخارف هندسية متموجة، يتوقع باحثون أنها للوقاية من المرض.

أوروبا الشرقية القديمة

وجد في سراديب الموتى في أوروبا الشرقية، التي تعود إلى 2600 قبل الميلاد، بقايا محنطة عليها وشوم في المنطقة القريبة من بحر آزوف في روسيا الحالية، وهي رسوم ثعابين.

كما عثر عام 1993 على مومياوات محفوظة بالثلج وعليها وشم حيواني، في مناطق وادي بازيريك الموجودة في روسيا حاليا بين القرنين السادس والثاني قبل الميلاد، وتصور الوشوم الخيول التي كانوا يعتمدون عليها بشكل كبير.

الوشم في آسيا القديمة

على الرغم من وصمة العار المرتبطة بالوشم في الصين في أحد العصور، حيث كان عقابا للمجرمين وتمييزا لهم، إلا أن مجموعة متنوعة من الثقافات القديمة في جميع أنحاء آسيا تبنت هذه الممارسة.

Embed from Getty Images

واكتشفت في آسيا جثث محنطة يرجع تاريخها إلى ما بين 2100 و800 قبل الميلاد، وعليها وشوم على الأيدي، وتقول مؤرخة الوشم سفيتلانا بانكوفا إن بعضها يملك وشما على الوجه أيضا.

الوشم في أوقيانوسيا

مع قلة الدلائل على وجود وشم في هذه المنطقة بسبب الطقس الاستوائي الدافئ الرطب الذي لا يصلح للتحنيط، لكن الباحثين عثروا في عام 2019 على أدوات للوشم مصنوعة من العظام البشرية، يعتقد أنها تعود إلى الثقافة البولينيزية في ما يعرف اليوم باسم تونغا وعمرها 2700 عام.

الوشم والدين

وتعارض الأديان السماوية الوشم، حيث جاء في العهد القديم بالتوراة، وتحديدا في سفر اللاويين تحذير لبني إسرائيل من عادات الشعوب الأخرى: "ولا تجرحوا أجسادكم لميت، وكتابة وسم لا تجعلوا فيكم، أنا الرب".

اظهار أخبار متعلقة



أما في العهد الجديد بالإنجيل فلم يتم ذكر الوشم صراحة، حيث نص الإنجيل في العموم على أن جسد الإنسان ليس ملكا له ليتصرف به كما يشاء، وجاء فيه: "أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم، الذي لكم من الله، وأنكم لستم لأنفسكم".

وبقي الوسم في المسيحية يعتمد على تفسير الفرد لتعاليم دينه، ويعتمد كثيرا على نية صاحبه، حيث يرسم عدد كبير منهم وشوما للرموز الدينية كالصليب، والمسيح، وينظر إليها بعض المسيحيين بإيجابية.

Embed from Getty Images

أما في الإسلام، فالأمر أوضح، حيث يجمع المسلمون على أن الوشم حرام شرعا، وتجب إزالته لمن يستطيع، ما لم تسبب إزالته ضررا أكبر على الشخص.

وجاء في فتوى للأزهر في مصر بأن الوشم حرام على الرجال والنساء، ويعتبر من الكبائر عند بعض الفقهاء، لأنه يعتبر تغييرا للخلقة، وتشويها للجسد، ولما له من ضرر صحي على صاحبه.

الأضرار الصحية للوشم

تقول عيادة "مايو كلينك" الشهيرة إنه يمكن أن يكون للوشم تبعات صحية، أبرزها رد الفعل التحسسي، حيث يمكن للصبغات المستخدمة في الوشم التفاعل مع الجلد، والتسبب بطفح جلدي، حتى بعد مرور سنوات على الوشم.

اظهار أخبار متعلقة



إلى جانب ذلك، يمكن أن يتسبب الوشم بالتهابات جلدية، وما يسمى بالورم الحبيبي أو الجدرات الناتجة عن فرط نمو الأنسجة الندبية.

كما أنه يصاب محبو الوشم بالأمراض المنقولة بالدم مثل المكورات العنقودية الذهبية، أو التهاب الكبد من النوعين "بي"، و"سي".

ويمكن أيضا أن يسبب الوشم تورما أو حرقا عند التصوير بالرنين المغناطيسي.
شارك
التعليقات