نشر موقع "ساينس أليرت" تقريرًا يسلط الضوء على دراسة علمية جديدة حول المعمرين في البرازيل، موضحا أن هذه الدراسة التي شملت 160 معمّرا في بلد يُعرف بتنوعه العرقي تقدم معطيات جديدة حول طول العمر.
وقال الموقع في هذا التقرير الذي ترجمته "عربي21"، إن متوسط عمر الإنسان الطبيعي يمتد حوالي سبعة عقود، بينما تواصل قلة من الناس العيش لتصبح من المعمّرين - أي يعيشون قرنا على الأقل - وهناك واحد من كل ألف معمّر يصمد لعقد إضافي، ليحصل على لقب "المعمّر الفائق" عند بلوغه سن الـ 110.
وحسب الموقع، يثير هؤلاء المعمرون شغف العلماء بالبحث عن الأسرار الثمينة التي قد يحملونها عن طول العمر، وقد أسفرت الأبحاث عن العديد من الأدلة المرتبطة بالجينات والسلوك والبيئة، لكن الإجابات الواضحة لا تزال بعيدة المنال.
تنوع جيني
قد يعود ذلك جزئيًا إلى نقص البيانات، وفقًا لمؤلفي دراسة طولية مستمرة حول المعمرين في البرازيل.
ويشير الباحثون في هذه الدراسة إلى أنه رغم أن متوسط العمر المتوقع في البرازيل قد لا يُضاهي مثيله في دول معروفة بارتفاع متوسط الأعمار مثل اليابان أو إيطاليا، إلا أنها تضم نسبة كبيرة من المعمرين ذوي الأصول الجينية المتنوعة.
وقد اعتمدت الأبحاث والدراسات السابقة إلى حد كبير على البيانات الجينومية من مجموعات متجانسة نسبيًا، وهو ما يسبب فجوة قد تعيق الجهود المبذولة لاكتشاف الأسباب الكامنة وراء طول العمر.
ويقول ماتيوس فيديغال دي كاسترو، المؤلف الرئيسي للدراسة والباحث في علم الشيخوخة في مركز أبحاث الجينوم البشري والخلايا الجذعية في ساو باولو: "تُعدّ هذه الفجوة عائقًا كبيرًا، لا سيما في أبحاث طول العمر، حيث قد يحمل المعمرون ذوو الأصول المتنوعة جينات وقائية فريدة غير مرئية في المجتمعات الأكثر تجانسًا جينيًا".
وتُصنّف البرازيل ضمن الدول الأكثر تنوعا في العالم من الناحية الجينية، نتيجةً لتاريخها الحافل بالاستعمار والعبودية والهجرة، والذي أدى إلى اختلاط جيني واسع النطاق، ومزج المواد الوراثية من مجموعات سكانية متباينة.
ويشمل ذلك السكان الأصليين، والمستعمرين البرتغاليين الذين بدأوا بالوصول عام 1500، وملايين الأفارقة الذين نُقلوا قسرا إلى البرازيل خلال القرون التالية ضمن موجات الاستعباد، فضلًا عن موجات من الهجرة من أوروبا واليابان وأماكن أخرى.
عيّنة الدراسة
ويوضح مؤلفو الدراسة البرازيلية أنهم استقطبوا مشاركين من مختلف مناطق البلاد، وشكّلوا مجموعة تضم أكثر من 160 معمّرا تجاوزوا الـ 100 عام، من بينهم 20 شخصًا تجاوزوا 110.
ومن بين هؤلاء إينا كانابارو لوكاس، الراهبة التي عُرفت بأنها أكبر معمرة على قيد الحياة حتى وفاتها عام 2025 عن عمر يناهز 116 عامًا. كما تضم المجموعة اثنين من أكبر الرجال سنًا على وجه الأرض، أحدهما يُقال إنه يبلغ من العمر 113 عامًا.
وذكر مؤلفو الدراسة أنه "من اللافت للنظر أنه عند التواصل مع الباحثين، كان بعض المعمرين البرازيليين يتمتعون بوعي كامل واستقلالية في أداء الأنشطة اليومية الأساسية، مثل تناول الطعام بأنفسهم".
وتتميز إحدى العائلات ضمن هذه المجموعة بوجود عددٍ استثنائي من المعمرين: امرأة تبلغ من العمر 110 أعوام وثلاث من بنات أخيها، تبلغ أعمارهن 106 و104 و100 عام وقت نشر الدراسة. وحسب المؤلفين، تدعم مثل هذه الحالات الأدلة الموجودة على أن طول العمر وراثي، ويمكن أن تساعد في توضيح التأثيرات المختلفة على طول عمر الإنسان.
ويقول دي كاسترو: "يوفر البحث في مثل هذه التجمعات العائلية النادرة نافذةً نادرةً على الوراثة متعددة الجينات للقدرة على التحمل، وقد يساعد في فهم المساهمة الجينية والوراثية اللاجينية في طول العمر".
عوامل أخرى
يضيف الموقع أن الأبحاث والدراسات السابقة تشير إلى أن الجينات ليست سوى جزء من اللغز، حيث تلعب عوامل أخرى مثل نمط الحياة دورًا أكبر في تحديد طول العمر.
وتسلط الدراسة الجديدة الضوء على عدد من السمات المشتركة بين المعمرين، مثل امتلاك جهاز مناعي يبدو أصغر سنًا.
ينحدر العديد من المعمرين في المجموعة التي شملتها الدراسة من مناطق فقيرة في البرازيل، حيث تقلّ فرص الحصول على الرعاية الطبية، مما يشير إلى وجود آليات وقائية مستقلة عن أساليب الرعاية الصحية الحديثة.
على سبيل المثال، نجا ثلاثة من المعمّرين الفائقين في البرازيل من جائحة كوفيد-19 قبل توفر اللقاحات، وهو ما يعزوه الباحثون إلى قوة جهاز المناعة واستقرار البروتينات.
الحاجة إلى مزيد من الأبحاث
تقول مايانا زاتز، المشاركة في تأليف الدراسة وأستاذة علم الوراثة في جامعة ساو باولو، إن فهم طول عمر الإنسان فهمًا حقيقيًا، وضمان استفادة الجميع من نتائج الدراسة، يتطلب القيام بمزيد من الأبحاث على مجموعات سكانية متنوعة مثل سكان البرازيل.
وتوضح زاتز: "ينبغي على التحالفات الدولية المعنية بطول العمر وعلم الجينوم توسيع نطاق البحث ليشمل مجموعات سكانية متنوعة الأصول ومختلطة الأعراق، مثل سكان البرازيل، أو تقديم الدعم المالي للدراسات الجينومية والمناعية والطولية التي تُعمّق الفهم العلمي وتعزز العدالة في أبحاث الصحة العالمية".